أبو نصر الفارابي

18

الأعمال الفلسفية

الفضائل العقلية والعملية والقدرة على استخراجها وإيجادها في الأمم والمدن . وليس للناس جميعا أن يدعوا بأنهم فلاسفة ، بل لا يحصل ذلك إلّا للقلّة منهم ؛ فمن زكت فطرته وطهرت نفسه ، وكان له استعداده الذاتي للعلوم النظرية - محققا الشرائط التي ذكرها أفلاطون في كتاب ( السياسة ) - كان ذلك الإنسان هو الفيلسوف الحق ، وليس هو بالفيلسوف الباطل أو البهرج أو الزور . . . هو الفيلسوف بصدق ، والرئيس بصدق ، والحاكم العادل بصدق . وتلك غاية المطاف فيما أراد الفارابي أن يقول . وسؤال قد يرد على الخاطر في هذا المجال فحواه مدى الأثر الذي تركه أفلاطون على الفارابي في صفات رئيس المدينة الفاضلة . نحن لا نشك بدءا من أن الفيلسوف العربي اطلع على مأثور صاحب الأكاديمية في وصفه لخصال الفيلسوف الحق . ولكننا لا نجد مبررا للقول بأن ما ذكره الفارابي من هذه الخصال هي نقل مباشر عن أفلاطون ، لأن في غضون هذه الصفات تأثيرات واضحة بالرواقية من جهة ، ووشائج بيّنة لصفات الإمام عند الشيعة من جهة أخرى ، يضاف إليها اجتهاد نظري بحت يصوغه الفارابي اختراعا من ملابسات عصره . ومن ثمّة فإن أبا نصر يضع أساسا أصيلا لرئيس المدينة الفاضلة وهو أن يفطر بالطبع على اثنتي عشرة خصلة . بينما أفلاطون يربط بعض تلك الخصال بعشق المعرفة التي ينزع صاحبها بطبيعته إلى الحقيقة . وفرق بين أن يفطر المرء عليها بالطبع ، وبين النزوع - مجرد النزوع إليها . والموقف يتغيّر تغيّرا عميقا شاملا : فإن رئيس مدينة أفلاطون